منتدى نغم
نغم بودكاست - بث تجريبي


العودة   منتدى نغم > القسم العام > ابن رشد > فكر

الزجل والشعر المحكي وطريقة كتابتهنعم ..عرب ..ونخجل - دي السكة طويلة بشكلالسيمفونية وحركاتها، بعض التفاصيل
ثورة الغضب في مصر - رواية ذاتية وتحليلربيع الشعوب العربية: متضامنون مع ثورات أهلناثورة البحرين .. ثورة الغضب المظلومة
استشهاد الإمبراطور 


عن شركات توظيف الأموال في مصر
رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-12-2011, 04:36 PM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
عن شركات توظيف الأموال في مصر

(1)

أبدأ هنا محاولة لفهم ظاهرة شركات توظيف الأموال في مصر التي أحدثت أثراً كبيراً في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي..

لا تعد المحاولة مجرد استجابة لتجدد المناقشات حول الموضوع بعد تجسيد شخصية أهم رجل أعمال من أصحاب تلك الشركات، أحمد الريان، في عمل تلفزيوني رمضاني، وإنما تتبع لقضية كاشفة في قضية الدين والسياسة، والاقتصاد والثقافة، ودور الدولة واستصدار القوانين كأداة سياسية بيد نظام استبدادي، ومدى نجاح أو فشل المثقفين في التعامل مع القضايا المجتمعية..

ما سبق كله نعاني منه في هذه اللحظة: أغسطس 2011..

لابد من التنويه هنا إلى أنني أكتب بهدي مما أعرفه من مبادئ عامة تحكم الاقتصاد والاستثمار، وما أعرفه من خطوط عامة للظاهرة وتداعياتها، وما ينبني على ما سبق من استنتاجات. خلال الفترة الزمنية التي ستتخللها الكتابة وما يليها أحاول تتبع التفاصيل الدقيقة تاريخياً وقراءة دراسات متكاملة رصينة عن الموضوع من خلال البحث على الانترنت. المؤسف أن تلك مهمة شاقة لأنه على كثرة المواقع العربية يندر أن تجد كتابات معمقة تبتعد عن التسطيح والتعميمات سابقة التجهيز..

***

كتقديم ضروري لابد من عرض مختصر لخيارات الاستثمار المتاحة للفرد والتي قامت تلك المؤسسات الجديدة لتنافسها بمنهج مناوئ لمنهجها، محرم له:

هناك شخص يملك مبلغاًً فائضاً عن حاجته ويود ادخاره أو استثماره بما يؤدي إلى نمو الثروة وتحقيق الأمان الاقتصادي المستقبلي. الخيارات هنا تحكمها درجة المخاطرة التي يستطيع صديقنا تقبلها وفقاً لظروفه الخاصة..

القاعدة التي تحكم العائد المقبول هي تناسبه مع درجة المخاطرة: كلما ارتفع احتمال تحقق خطر خسارة الأصل ارتفع الحد الأدنى المقبول كعائد على الاستثمار. كذلك الحال مع الفترة الزمنية؛ فكلما جمدت الأموال لفترة أطول كان العائد المطلوب أكبر لأن المخاطر يصعب التنبؤ بها لفترات مستقبلية بعيدة من ناحية، ولأن الفترة الطويلة تتخللها فرص استثمارية أخرى ضائعة Opportunity Cost لابد من عائد مرتفع يبرر تركها..

1- من الممكن أن يودع المبلغ داخل خزينة بالمنزل. هنا المخاطرة = صفر، إذا استثنينا أخطار السرقة والحريق، ولكن العائد أيضاً = صفر، وهو معرض لخطر تآكل قيمة المدخرات مع ارتفاع معدل التضخم.

2- البديل الثاني أن يقرض المبلغ لجهة تحتاجه لمدة محدودة مقابل عائد ثابت..

- تلك الجهة قد تكون الحكومة في شكل سندات وأذون خزانة تمنح أقل سعر عائد لأنها تعد، نظرياً، بلا مخاطرة Risk Free حيث أن الدولة هي المدين المطالب بالسداد..

- وقد يقرض المبلغ لشركة على صورة شراء سندات مقابل عائد ثابت. العائد هنا هو العائد على الاستثمارات الخالية من المخاطرة Risk Free + هامش مقابل المخاطرة Risk Premium. هذا الهامش يتناسب أساساً مع وضع الشركة المدينة في السوق ودرجة جدارتها الائتمانية، أي كفاءة أعمالها وقدرتها المتوقعة على سداد التزاماتها..

- أو يودع المبلغ أحد البنوك، وكلما زادت فترة الإيداع - التي لا يحق له استرداد المبلغ خلالها إلا بضوابط معينة - كلما تلقى على ودائعه عائداً يتناسب مع الفترة، وهو عائد منخفض نسبياً لأن المخاطرة منخفضة حيث يضع البنك المركزي المصري السياسات اللازمة لضمان أموال المودعين: أي منع البنك من الإعسار وتوقفه عن رد الودائع عند انتهاء أجلها، والتصرف لحماية حقوقهم حال حدوث ذلك.

3- البديل الثالث أن "يستثمر" هو المبلغ مباشرة في أحد الأنشطة الاقتصادية - مقابل عائد متغير حسب ظروف السوق وكفاءة الإدارة مع احتمالية أكبر لخسارة أصل رأس المال - وذلك بدلاً من إقراض إحدى المنشآت. الاستثمار يكون من خلال منشأة تئول ملكيتها إليه، أو بالمشاركة مع آخرين، قد يتسع عددهم ليصل إلى صياغة الشركات المساهمة الكبرى المفتوحة للاكتتاب العام. القاعدة هنا أنه كلما انخفضت نسبة المشاركة في الشركة كلما كانت المخاطرة أقل والتخارج أسهل، والعكس صحيح.

يتبع،،
رد باقتباس
  #2  
قديم 08-13-2011, 04:36 AM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(2)

تلك الخيارات سابقة الذكر لم تكن كلها متاحة للمواطن المصري العادي في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. الخيارات المتوفرة عملياً كانت خزينة المنزل والبنك والاستثمار المباشر في مشروع صغير: منشأة فردية أو شركة أشخاص. هذا الخيار الأخير صعب لأنه يتطلب الخبرة في مجال النشاط والتفرغ، فضلاً عن قابلية تحمل الخسائر. أي أننا أمام خيارين فعليين في واقع الأمر: البنك وخزينة المنزل، والبنك بالطبع يعد أكثر رشداً، خاصة مع الانتظام التاريخي في السداد ورقابة وحماية البنك المركزي..

***

المدخرات تمثل "تحويشة العمر" التي أتت بجهد جهيد، خاصة للعاملين في دول الخليج. هذا الوضع يفرض على صاحبه درجة تقبل منخفضة للمخاطر. هو ببساطة لا يستطيع أن يخسر أصل المبلغ لأن هذا معناه أن عمره بالكامل قد ضاع دون فائدة وكل ما تحمله من مشقة قد ذهبت بنتائجه الرياح..

المشكلة الأساسية هنا: أنه سلم أمواله لمنشاة اقتصادية تخبره بصراحة وأمانة أن إيداع الأموال دون مخاطرة في البنك حرام شرعاً، وعليك أن تخاطر، ويمكن أن تخسر.. ولكن لا تخف: ستربح كثيراً جداً معنا وهذا عادل: الغنم بالغرم..

لقد قبل هؤلاء، واستفادوا أشد الاستفادة بالأرباح المرتفعة التي لا تقارن بها فوائد البنوك بأي حال، ثم عندما تحقق الاحتمال الآخر، الخسارة، والذي تقبلوه لأسباب شرعية وسعياً وراء الربح، وهو سعي إنساني مشروع ومتفهم، شقوا الجيوب وارتفعت صرخات النحيب وأنحوا باللائمة على الشركات !

الأصل في المسألة أن قراراهم الاقتصادي منذ البداية غير رشيد. المبرر الوحيد للوم الشركات هو سرقة أموالهم وتهريبها. وتلام الحكومة إذا غابت الإجراءات الرقابية والرادع القانوني. لنتتبع الأمور في سياقها ولا نستبق الأحداث..

***

ما هو الخيار الجديد البديل الذي طرحته شركات توظيف الأموال ؟

الاستثمار. صاحب المدخرات لا يملك خبرة لإنشاء وإدارة مشروع، ولا توجد بورصة أوراق مالية، في هذا الوقت، لشراء أسهم يسهل بيعها فيما بعد. البديل هنا أن يودعوا أموالهم لدى الشركة كي تستثمرها هي بمعرفتها بموجب تفويض على أن يتقاسم المودع والشركة الأرباح والخسارة..

اعتمد الخطاب التسويقي للشركات على بندين هامين: تحريم فوائد البنوك والوعد بعوائد ضخمة على الاستثمار..

---

فوائد البنوك حرام شرعاً:

تلك الفترة كانت فترة مد ديني برعاية من النظام وهدفها تمرير كوارث السادات. ليس هذا موضوعنا حالياً. ولكن المهم أن الكتلة الصلبة من المودعين المستهدفين العاملين في الدول النفطية تنتمي إلى القرى تقليدية التفكير التي تحترم رجال الدين وتجلهم، وحملة تستعين بكبار رجال الدين المحبوبين والمعتقدين بحرمة الفوائد تصبح أداة هامة للتسويق..

يجدر هنا أن نلاحظ أن هؤلاء الشيوخ ليسوا بالضرورة منتفعين تلقوا أموالاً لإلقاء الفتاوى. هم يعتقدون بصحة هذا فعلاً..

المسألة باختصار، وسأعود إليها فيما بعد، أن تلك الوجهة من النظر في تفسير الإسلام ترى أن تعريف الربا منطبق على فوائد البنوك: مبلغ ثابت معلوم منذ البدء يرد إلى المودع نظير إيداعه لفترة من الزمن يزداد بزيادة الفترة..

المؤكد في الإسلام أن الله أحل البيع وحرم الربا، والخلاف بين من يرى بحرمة الفوائد ومن يرى بجوازها هو في مدى انطباق تعريف الربا على المعاملة. الرأي الفقهي السائد بين من يعد من علماء المسلمين في مصر وقتها أفتى بحرمتها..

---

العوائد الضخمة على الاستثمار:

أنت تضع أموالك في شركة ناجحة. ومن ثم ستتحقق الأرباح الوفيرة، وتسعة أعشار الرزق في التجارة كما يقول الحديث المنسوب لنبي الإسلام، وأصحابها يتاجرون بما يرضي الله وبكفاءة وتشهد بذلك توسعاتهم الحقيقية وزيادة أعداد المودعين وتلقيهم للأرباح الكبيرة..

***

باختصار: أنت ترضي الله بابتعادك عن حرامه وتحقق ربحاً وفيراً حلالاً تحتفظ بأصل مالك طالما استمر، وهو "يبدو" مستمراً ويستحق المخاطرة..

أما الأشكال "الحلال" التي وفروها، فكانت تتراوح بين صيغة "المشاركة" وهي أقرب شيء لما حدث مع شركتي الهلال والشريف، و"المضاربة" وهي الأقرب لما حدث مع شركتي الريان والسعد..

سيكون هذا مدخلي إلى الفصل القدم والذي يليه وسيتضمن الأمر توضيحاً كافياً..

يتبع،،
رد باقتباس
  #3  
قديم 08-16-2011, 08:32 AM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(3)

لنتحدث الآن عن المشاركة..

المشاركة، كما هو معروف، هي أن يجمع بعض المستثمرين بعضاً من أموالهم لإنشاء كيان اقتصادي، يهدف إلى الربح في حالتنا، يقوم بخلق قيمة مضافة من خلال بيع سلعة أو تقديم خدمة..

لتتمكن الشركة من خلق تلك القيمة لابد من أصول ثابتة ملموسة وغير ملموسة: أرض - مبنى - ماكينة - براءة اختراع - رسوم استخراج رخصة تدفع إلى الدولة كرخصة شركات المحمول مثلاً.... الخ.

***

التطابق التمويلي:

لابد من تمويل تلك الأصول، وتمويلها طويل الأجل بطبيعته لأن عمرها الإنتاجي طويل ولا يتوقع بيعها وتحويلها إلى نقدية على الأمد القصير..

مصادر التمويل طويلة الأجل:

1- الاستدانة من المؤسسات المالية (قروض) أو من الأفراد (سندات).

2- رأس المال: استثمار المساهمين، وهو يعد التزاماً من الشركة تجاه أصحابها ولكنه التزام "فاقد الامتياز"، بمعنى أنه يقع في ذيل قائمة الأولوية عند التصفية. لا يتحصل أصحاب الشركة على أي قدر من أنصبتهم إلا بعد سداد كافة الالتزامات تجاه كل الدائنين.

الاختيار هنا له أسس تتعلق بتخفيض المتوسط المرجح لتكلفة الأموال WACC والذي يقارن بالعائد على الاستثمار ROI، والتفاصيل تخرجنا عن موضوعنا فلا داعي لها..

---

في حالة حصول الشركة على تمويل قصير الأجل - أي أن الممول سيطلب رد أصل دينه خلال سنة من المنح وفق العرف المحاسبي - واستخدامه في شراء أصول طويلة الأجل ستحدث مشكلة تعثر مستقبلي قريب. تلك المشكلة تسمى خللاً في "التطابق التمويلي"..

ببساطة: سيطلب منك صاحب الدين أمواله بينما لم تنتج الماكينة التي اشتريتها العوائد التي تضمنتها دراسة الجدوى..

القاعدة الاستثمارية أن اقتناء الأصل يكون مبرراً إذا أدى إلى تخفيض التكاليف أو زيادة المبيعات، أو إلى الأمرين معاً. في حالة تحقق الغرض من الاقتناء يتسبب الأصل في زيادة أرباح الشركة لعدد من السنوات هي عمره الإنتاجي، وفي كل سنة منها تسدد الشركة قسطاً من أصل الدين مع فائدته (الخيار الأول)، أو توزع أرباحاً على المساهمين (الخيار الثاني).

في حالة خلل التطابق التمويلي يكون الحل المثالي لتصحيح الخطأ هو الحصول على مصدر تمويل طويل الأجل يسدد من خلاله ذاك القصير قبل ميعاد استحقاقه، بعد شهور معدودة، وتلك مسألة صعبة ولو لم تتم فلديك احتمالات كلها سلبية للغاية:

1- أن تضطر إلى استخدام الأصول السائلة القائمة في الشركة والمخصصة لإدارة النشاط الدوري المعتاد لسداد المديونية. هي لن تكفي غالباً ولو حدث ذلك سيتأثر النشاط الجاري للشركة بما يؤدي إلى التعثر المستقبلي.

2- أن تنجح في الحصول على قرض آخر قصير الأجل لسداد القرض القديم. أنت هنا تشتري الوقت لا أكثر، وستتعثر بعد حين.

3- أن تفشل في تطبيق أي من الخيارين السابقين فتعجز عن السداد وتتعرض للإفلاس وتصفية الشركة: أن يباع الأصل لسداد الدين.

يتبع،،
رد باقتباس
  #4  
قديم 08-16-2011, 09:20 AM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(4)

المساهمون بصفتهم مستثمرين ومشكلة خيار المشاركة في الحالة موضوع الدراسة:


الأصول ستستخدم، من خلال العنصر البشري الذي سيستقدم للعمل في الشركة، لإتمام الإنتاج (أو أداء الخدمة). لابد أن يكون الإيراد أكبر من التكلفة التي أنفقت للحصول عليه. يحقق ذلك فائضاً هو "صافي الربح القابل للتوزيع"..

صافي الربح القابل للتوزيع على المساهمين، إذا احتسبنا نسبته إلى إجمالي "حقوق المساهمين" التي تمثل إجمالي "استثمارهم" في الشركة، يتبين لنا مدى رشد قرارهم الاستثماري، وذلك بمقارنة العائد المشار إليه مع العائد المفقود بسبب عدم توجيه الأموال لفرصة استثمارية أخرى..

مثال: العائد على حقوق المساهمين في شركة ما = 13.8% سنوياً، والعائد على وديعة بنفس المبلغ بالبنك لنفس السنة = 9.2% مثلاً. نفهم الآن أن اختيار المساهمين كان اختياراً صائباً حين استبعد البنك لصالح الاستثمار في الشركة. حصل المساهمون على 4.6% نظير تحملهم المخاطرة التي تتضمنها أعمال الشركة ولا تتضمنها عملية الإيداع بالبنك..

---

يحدد مصير العائد بالاتفاق بين المساهمين: فإما أن يوزع عليهم نقداً، أو أن يعاد استثماره في الشركة لإحداث توسعات مستقبلية أو لتكوين احتياطيات تقي الشركة الآثار السلبية لأي خسائر مستقبلية محتملة..

***

المساهم قد يرغب في بيع حصته في الشركة لأسباب مختلفة من بينها:

1- العائد المحقق أقل من عائد البنك الأقل مخاطرة، أو مساوِ له، بما يبرر التوقف عن المخاطرة.

2- العائد المحقق في الشركة أقل من العائد المحقق بشركات أخرى منافسة لها (أي أن أداء الشركة أقل كفاءة من أداء مثيلاتها).

3- هناك أنشطة اقتصادية أخرى تدر أرباحاً أكبر ويود المستثمر أن يحول حصته إليها.

4- ظهور ظرف خاص أجبر المستثمر على سحب استثماره وإنفاقه فيما طرأ من مستجدات.

***

لا توجد مشكلة للشركة في حالة بيع أحد المساهمين لحصته. المبلغ نفسه مجمد على هيئة "رأسمال" منتج، والشركة، ككيان قانوني واقتصادي مستقل عن أصحابه، لن تدفع شيئاً بسبب بيع الحصة. فقط سيخرج شريك ويدخل آخر..

البيع قد يكون في بورصة الأوراق، وتلك أسهل السبل وأيسرها، في حالة الشركات المساهمة المفتوحة للاكتتاب العام، أو من خلال البيع المباشر لشريك جديد بعينه وما يستتبعه ذلك من مفاوضات في حالة شركات الأشخاص..

غياب المشتري وجماعية الإرادة بالخروج من الشركة معناها حتمية تصفيتها: توقف النشاط وبيع الأصول وتحويلها كلها إلى نقدية وسداد كافة الالتزامات ثم يوزع ما بقي على المساهمين كل بحسب حصته..

***

ما حدث في حالتنا:

مشكلة شركات توظيف الأموال باختصار أن الاتفاق بين الطرفين: الشركة والمستثمرين جعل استمرار الشركة في مهب الريح. هذا ينطبق على النوعين: شركات المشاركة وشركات المضاربة، ولكن الأولى تأثرت بشكل أكبر..

---

شركات النوع الأول تعود ملكيتها منذ البداية لمستثمرين في نشاط إنتاجي: زراعة – تصنيع، حققوا نجاحات في مجالهم ويودون التوسع لزيادة الحصة السوقية..

كما سبق وقلنا في الفصل السابق أمام الشركة الاستدانة من الغير أو توسعة قاعدة المساهمين. الشكل الذي تمت به الأمور، من لجوء إلى الأفراد لجذب مساهماتهم، هو في إجراءاته أقرب إلى الاقتراض من خلال السندات، وفي جوهره أقرب إلى طرح أسهم للاكتتاب العام..

إذاً: كل الأموال التي ستحصل عليها الشركة ستجمد في أنشطة استثمارية طويلة الأجل تدر ربحاً بعد حين. البديهي هنا أن يتضمن الاتفاق تقييد إمكانية سحب المودعين لودائعهم..

نعم: العائد الثابت حرام وفق فهم هؤلاء للدين، ولكن الاتفاق على تحديد فترة محددة لا يحق للمستثمر فيها أن يحصل على أمواله مع تسوية الحسابات واقتسام الربح أو الخسارة في مرحلة لاحقة لا يتعارض مع أي فهم للإسلام بأي قدر..

الشركات لم تلجأ إلى التقييد لسبب تسويقي بحت: أموالك معنا وعوائدك كبيرة وتستطيع سحبها في أي وقت. هذا هو الخطأ القاتل..

للتوضيح: المستثمر هنا يتعامل مع الشركة ذهنياً بمنطق المقرض الذي لا يعنيه أي شيء سوى الحصول على أصل دينه، بينما هو في حقيقة الأمر مشارك في رأس مال الشركة عليه تحمل نتائج أعمالها أياً كانت والمساهمة في اتخاذ القرارات التي تخص إدارتها بشكل ديمقراطي بما لا يؤثر سلباً على أعمالها..

[ في الشركة المساهمة تتخذ الجمعية العمومية قرار توزيع الأرباح. لن تجد مساهماً يذهب بمفرده إلى الشركة ويتشاجر صائحاً: أنا عايز نصيبي في الأرباح دلوقتي !! ]

الاتفاق بين الطرفين خلا من أية إشارة إلى نمط جماعي للإدارة، كالجمعيات العمومية في الشركات المساهمة، أو إلى شروط محددة لآجال الاستحقاق كالتي يتضمنها سند المديونية..

النتيجة: حصلت حملة تهييج على كل الشركات مفادها أنها تخسر وأن أموال الناس ستضيع، ولأن تلك الأموال هي "تحويشة العمر" كما سبقت الإشارة فقد انتصر "الهلع" على المنطق وهرع الناس يطلبون أموالهم دون وجود مانع قانوني يقيد السحب إلا بعد مدة لخلو الاتفاق من الإشارة إليه..

الطبيعي هو إعسار الشركة واضطرارها إلى إيقاف الأنشطة الإنتاجية وتصفيتها للسداد..

يتبع،،
رد باقتباس
  #5  
قديم 08-26-2011, 01:44 PM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(5)

ننتقل الآن إلى النوع الثاني: شركات المضاربة..

الفرق الرئيسي بين النوعين:

شركات النوع الأول، كما أسلفنا، تطلب الأموال لإنجاز مشروعات محددة طويلة الأجل تخص نشاطها مع توزيع الأرباح دون تحديد رد المبلغ بأجل محدد ودون فائدة ثابتة.. أي أن المستثمر يعد "شريكاً".. مع مراعاة التشوهات التي أشرنا إليها والتي تسببت في إعسارها..

شركات النوع الثاني تطلب الأموال لذاتها على أن تنتقل بين الفرص الاستثمارية لتحقيق أكبر عائد ممكن، بما يدر دخلاً مرتفعاً على المستثمرين يدفع غيرهم إلى إيداع أموالهم بما يوسع من الفرص الاستثمارية لشركة التوظيف ومن ثم مضاعفة الأرباح فزيادة المودعين.. وهكذا..

***

البنوك التجارية:

هذا التعريف الذي سقناه لشركات المضاربة يضعها فوراً في مقارنة مع البنوك التجارية..

البنك التجاري يفعل كل هذا بالضبط: يسعى لاجتذاب ودائع الأفراد والمؤسسات ثم يستثمرها، من خلال الإقراض - إقراض الأفراد أو الشركات أو البنوك الأخرى أو الدولة - ليحقق أكبر عائد ممكن يتمكن من خلاله من منح المودعين عائداً مجزياً يدفع غيرهم إلى الإيداع فتتوسع أعمال البنك..

ولكن.. هناك فرقين أساسيين:

1- البنك التجاري ملتزم أمام المودع بسداد كامل قيمة الوديعة، مع العائد المتفق عليه سلفاً، بغض النظر عن نتيجة استثماره، في حين أن المودع في شركات المضاربة يتحمل نتيجة الاستثمار ربحاً أو خسارة.

2- البنك التجاري لا يستثمر في المشروعات التجارية والصناعية بنفسه وإنما يقرض الأموال لمستثمرين. شركات المضاربة استثمرت مباشرة وافتتحت مشروعات باسمها.

---

المضاربة معاملة بين طرفين: رب المال ورب العمل. يمنح الطرف الأول الثاني الأموال بصفته مؤتمناً عليها عاملاً على استثمارها مقابل نسبة من الربح، فإن نتجت عن الاستثمار خسارة يتحملها رب المال - المودع - طالما بذل رب العمل عناية الرجل الحريص ولم يثبت في حقه تهاوناً أدى إليها. في الحالة الأخيرة يتحمل هو الخسارة ويرد المال لصاحبه كاملاً..

***

شركات المضاربة، و"الريان" أبرزها، تأثرت تأثراً بالغاً بهجمة المسحوبات التي أنتجها الهلع ولكن بقدر أقل بكثير من شركات النوع الأول بسبب توفر السيولة. أصحاب خيار المشاركة كانت أموالهم مجمدة في أنشطة استثمارية طويلة الأجل ولذا تعثروا فوراً، أما الريان ورفاقه فأغلب أصولهم يسهل تحويلها إلى نقدية سريعاً - البورصات العالمية - ولذا فإن ما سيصيبهم بالأساس هو "الارتباك" و"الخسارة" الناتجة عن التسييل، ولكن الشركة لن تنهار..

تلك الحقيقة أدت إلى حركات تكاد تكون مسرحية: اجتماع في الخلاء مع المودعين وإعلان أن من أراد سحب أمواله فليسحبها، وتنفيذ هذا الوعد فعلاً، وبعد ذلك الامتناع عن قبول ودائع من سحب أمواله من قبل !

في مرحلة لاحقة اشترطت الشركة مهلة ثلاثة أشهر قبل السحب، وهذا طبيعي ومنطقي ولا يعني أن أصحاب الشركات لصوص..

الصحيح أن الأنشطة الإنتاجية لهذا النوع من الشركات - والتي مثلت نسبة صغيرة من إجمالي أصولها - قد توقفت وأن الطريقة التي أدارت بها الحكومة الأزمة هي التي أثرت سلباً على حقوق المودعين..

عموماً سأتطرق ابتداء من الفصل القادم إلى الموضوع من الزاوية الاقتصادية وكيف كان يمكن للأزمة أن تحل وما وقع فعلياً بالمخالفة له..

يتبع،،
رد باقتباس
  #6  
قديم 09-01-2011, 05:11 AM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(6)

فكرة الاقتصاد الأساسية بسيطة: هناك جماعة إنسانية لها احتياجات، متنوعة ومتجددة وغير محدودة، وموارد قابلة للنمو، وفقاً لطبيعتها ولجهود أبناء الجماعة ومدى تقدمهم العلمي والتكنولوجي، ولكنها تبقى محدودة قياساً إلى المطلوب..

الاقتصاد إذاً هو إدارة تلك الموارد لإشباع ما أمكن إشباعه من الاحتياجات: اختيار البعض والتضحية بالبعض الآخر، بمعنى تأجيله إلى وقت لاحق يسمح فيه النمو - نتاج الجهد - بإشباعه..

إجمالاً: إدارة الموارد الاقتصادية النادرة نسبياً بشكل رشيد يكفل زيادة رفاهية الجماعة مع الوقت..

تلك هي مهمة أي نظام اقتصادي، أياً كانت توجهاته وآلياته، وعلى أساسها يقيم..

***

استغلال الموارد من خلال العملية الإنتاجية. يحصل كل عامل من "عوامل الإنتاج" على حصة من "الناتج القومي" - مثال: العمل مقابل الأجل والأرض مقابل الريع. يوجه الفرد نصيبه، والذي ناله على شكل أوراق نقدية - بعد تخطي نظام المقايضة - لشراء ما يلبي احتياجاته من سلع وخدمات ويدخر ما يفيض..

---

الادخار ضروري لتحقيق الأهداف سالفة الذكر. مثال طريف: ربة منزل تكنس أرضية المنزل باستخدام مكنسة يدوية مجهدة وغير كفئة وتقضي بسببها وقتاً طويلاً لتحصل على درجة مقبولة من النظافة. سيكون رائعاً لو تم اختراع وسيلة أخرى أكثر كفاءة تقلل الوقت المبذول وتعطي درجة نظافة أحسن بجهد بدني أقل. هذا يمنح المرأة التي نتحدث عنها "راحة" و"وقت فراغ" يمكن استخدامه لتذوق الفن مثلاً..

نحن هنا نستهدف "ارتفاع مستوى المعيشة". أن تنفق وقت وجهد أقل لإنجاز الضروريات وتتمتع بوقت فراغ أكبر تستخدمه للمتعة والترفيه والتثقيف والتذوق الفني وممارسة الرياضة والاهتمام بالجماليات. نتطلع إلى حياة أكثر رغداً وتحضراً..

بالعودة إلى سيدتنا ومكنستها اليدوية، فإن إراحتها تتطلب تخصيص مبالغ من ناتج العملية الإنتاجية للإنفاق على البحث العلمي بدلاً من استهلاكه، فإن نجح هذا البحث واخترع لنا مكنسة تعمل بالكهرباء نخصص مبالغ أخرى لتصنيع أدوات الإنتاج اللازمة لصنع المكنسة - والتي حددها بحث علمي آخر - ومن ثم طرحها كمنتج يباع تجارياً..

---

بخلاف رفع مستوى معيشة الأعضاء الحاليين هناك توسع طبيعي لابد من مواجهته..

في الظروف الطبيعية تخسر الجماعة من الوفيات أقل مما تكسبه من المواليد. هذا معناه زيادة عدد السكان، بما يشمله ذلك من مدارس أكثر ومستشفيات أكثر ومساكن أكثر، ورقعة زراعية أكبر، وآلات ومعدات أكبر لإنتاج المستوى الحالي من السلع بكميات أكبر..

فإذا جمعنا بين المسألتين: تحسين مستوى المعيشة وضرورات زيادة عدد السكان، يتبين لنا أهمية الادخار الاقتصادية..

***

الميل للاستهلاك يكون أكبر عند الطبقات صاحبة الدخل الأقل، وهذا طبيعي. عامل في مصنع يتقاضى 500 وحدة نقد شهرياً: لديه مشكلة حقيقية في توفير الطعام والشراب طوال الشهر لنفسه ولأسرته المكونة من أربع أفراد. كل زيادة في أجر صاحبنا ستوجه للاستهلاك إلى حين توفير المتطلبات الأساسية للأسرة، وليكن ذلك عند 2000 وحدة نقد مثلاً. الزيادة بعد هذا المبلغ سيتم توزيعها بين الاستهلاك - سلع كمالية ينالها للمرة الأولى ولهفته عليها كبيرة - وبين الادخار تحسباً للمستقبل بعد أن كان في السابق مجبراً على تجاهله لتوفير طلبات الأسرة يوماً بيوم..

بزيادة المبلغ الزائد على الألفين تزيد النسبة المدخرة وتقل النسبة المستهلكة، وذلك إلى أن يصل إلى الحد الأقصى لاستهلاك أسرة بهذا العدد، وليكن 50 ألف وحدة نقد شهرياً..

في المقابل توجد أسرة بنفس العدد من طبقة أخرى حققت فعلاً هذا الحد الأقصى من الإنفاق الشهري. كل ما فوقه سيوجه مباشرة إلى الادخار، ومن ثم الاستثمار..

---

بناء على ما سبق تختلف وجهات النظر حول توزيع الدخل..

يرى المتطرفون في رفض دور الدولة في النشاط الاقتصادي ضرورة توزيع الدخل لصالح الرأسماليين وإبقاء العامل عند حد الكفاف - ما يسمح ببقائه على قيد الحياة وصلاحيته للقيام بدوره الإنتاجي المطلوب منه - وذلك لتحقيق أعلى معدل ادخار ممكن، ومن ثم تحقيق معدلات مرتفعة للتراكم الرأسمالي والنمو الاقتصادي..

[ جدير بالذكر أن تلك النظرية لا ينقصها في انحيازها للرأسماليين على حساب العمال المنتجين إلا بعض الأفكار العنصرية لتبرير إبقائهم عند حد الكفاف كهدف ! ]

هناك آخرون يلطفون من هذا التطرف ويقولون أن ثمار التنمية سوف تتساقط لتصل إلى الفقراء مستقبلاً. عموماً هذا حديث آخر..

---

في المقابل هناك وجهة نظر مقابلة ترى أن مواجهة نقص ميل أصحاب الدخول المنخفضة إلى الادخار لا يكون حله الاستمرار في إفقارهم، وإنما تقوم الدولة بدور في النشاط الاقتصادي يفرض عدالة الأجور من ناحية وتوفير الموارد اللازمة لتحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب للاقتصاد من خلال الادخار الإجباري وفرض الضرائب على أرباح المؤسسات الاقتصادية. يضاف إلى ذلك المساهمة في الإنتاج بحسب الحاجة..

تثار هنا مشكلة الحافز الفردي: الرأسمالي حين يدخر ليستثمر يسعى بذلك إلى تحقيق مصلحته الخاصة، بينما المبلغ الذي جمعته الدولة سيتم توظيفه بشكل بيروقراطي وغير كفء. يرد أنصار تدخل الدولة بأن الملكية العامة للمنشأة الاقتصادية لا ترتبط بالضرورة مع عدم الكفاءة الاستثمارية وأن هناك من أشكال الملكية الأخرى ما يوفر الحافز الفردي والإدارة الرشيدة في نفس الوقت وهو الملكية التعاونية. هذا بالإضافة إلى إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار في أنشطة لا تدر معدلات مجزية للربح وطويلة الأمد ولكنها ضرورية لمصلحة المجتمع ككل..

***

يبدو هذا الفصل خارجاً عن موضوعنا ولكنه في القلب منه، وسيتبين ذلك في الفصل القادم..

يتبع،،
رد باقتباس
  #7  
قديم 09-02-2011, 08:45 AM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(7)

ننتقل الآن إلى كيفية توجيه المدخرات مع التركيز على دور البنك التجاري لأن هذا النوع من المؤسسات المالية هو المنافس الذي تضرر بسبب صعود نجم شركات توظيف الأموال، وتأثر قدرته على أداء دوره المنوط به كان أحد أهم المبررات للإجراءات التي اتخذت..

***

لنفترض اقتصاد سوق حر: يحدث التراكم من خلال توجيه الفرد لمدخراته إلى الأنشطة التي تدر عليه أكبر عائد ممكن على الاستثمار. الحافز الفردي هو المحرك لحركة الأموال..

مثال:

نظراً لما تبين من رواج نشاط تصنيع وبيع الثلاجات المنزلية - عليه "طلب" كبير - ومنحه المنتجين، الذين يمثلون جانب "العرض"، عائداً على الاستثمار أكبر من الأنشطة الأخرى؛ فقد قرر أصحاب مجموعة شركات "س" الصناعية، والتي لم تعمل في صناعة الثلاجات من قبل، تأسيس شركة تابعة لها - الشركة التابعة هي المملوكة لأخرى بنسبة أكبر من 50% - نشاطها تأسيس وتشغيل مصنع للثلاجات للاستفادة من العائد الكبير بما يحقق زيادة ثروتهم..

***

فاصل:

بعد دخول الشركة هذا المجال، ودخول غيرها لنفس السبب، سيزداد "العرض" وتنخفض الأسعار وتقل هوامش الربح المحققة في تلك الصناعة فيقل جذبها لأصحاب رؤوس الأموال بعد تخطيها لمرحلة النمو ووصولها إلى مرحلة النضج. بعد ذلك تدخل في طور الأفول ويبدأ رأس المال في الخروج..

الفرضية الأساسية هنا هي حرية حركة رؤوس الأموال ولكن ذلك غير صحيح عملياً. النتيجة التي تحدث هي دورية الأزمة في النظام الرأسمالي: دخول الاقتصاد ككل في كساد دوري يقل فيه الطلب عن حجم المعروض من السلع، في ظل وجود حاجات كثيرة غير مشبعه للغالبية العظمى من المواطنين. لذلك نرى حالة سعار تسويقي بين شركات متماثلة تبيع منتجات متماثلة وتنتجها بكميات أكبر من الطلب: إعلانات تخاطب غرائز المتلقي، دون مناسبة غالباً، وتطلب منه أن يستهلك أكثر مقابل خصومات نقدية، وذلك لتحقيق حد أدنى من المبيعات يغطي التكاليف الإجمالية، وفي مرحلة لاحقة أسوأ تقنع الشركة بتغطية التكاليف المتغيرة فقط..

[ التكاليف المتغيرة: هي التكاليف التي تتغير بتغير حجم الإنتاج والمبيعات، مثال: تكلفة المواد الخام المستخدمة في صناعة المنتج - مرتبطة بحجم الإنتاج - وعمولات رجال البيع: مرتبطة بحجم المبيعات وتحتسب كنسبة منه. التعريف السابق يقابله تعريف التكاليف الثابتة، أي التي ستنفق بغض النظر عن حدوث الإنتاج والبيع من عدمه. مثال: إيجار المبنى الإداري لإحدى الشركات ]

ما سبق يعد سبباً رئيسياً لانتقاد النظام الرأسمالي من قبل مناوئيه، وأنا منهم: سوء استغلال الموارد الاقتصادية وفشل في تحقيق الهدف الرئيسي من أي اجتهاد اقتصادي، والذي سبق توضيحه في الفصل السابق..

---

المدافعون عن النظام لا ينفون دورية الأزمة ولا يحاولون علاج الظاهرة جذرياً بما يمنع تكرارها وإنما يتعاملون معها حين تنشأ. الطريف أن الإجراءات التي تتخذ للإنقاذ، بواسطة الحكومات والمؤسسات الدولية، تكون على حساب الفقراء بالذات، بينما يوعدون بتساقط ثمار التنمية إليهم وقت الرواج. يكونون شركاء في تحمل التكلفة ووقت الرخاء يقتصر نصيبهم على الأوهام !

***

عودة لمصنع الثلاجات:


أُعدت دراسة الجدوى الاقتصادية وبخصوص تحديد مصادر التمويل اللازمة للمشروع تبين أن الهيكل التمويلي الأفضل يكون بتوفير 60% من الاستثمار المطلوب من أصحاب الشركة والاقتراض من البنوك بنسبة 40%..

طلبت القرض من البنك ووافق وتم الإقراض وأُسس المصنع وبدأ الإنتاج وفق الخطة وحقق الأرباح المتوقعة..

الصناعة لازالت في طور النمو ولذا قررت إدارة الشركة - بعد دراسة جديدة - إضافة خط إنتاج جديد، واللجوء في تمويله إلى الاكتتاب العام بدلاً من البنوك. اتخذ قرار زيادة رأس المال وأن تطرح الأسهم في بورصة الأوراق المالية على ألا تتجاوز نسبتها 50% لتظل شركة إنتاج الثلاجات تابعة لمجموعة "س". يحصل إقبال من عموم المتعاملين في البورصة، بما فيهم صغار المستثمرين، على خلفية النجاحات السابقة للشركة قبل التوسعات..

***

هناك نموذج وسط بين الاقتصاد الحر غير المتضمن لتدخل من الدولة وبين نموذج الملكية العامة الموسعة لوسائل الإنتاج، وهو التدخل بصنع السياسات وتطبيقها من خلال تحفيز الاستثمار بقطاعات على حساب أخرى..

هذا معناه أن يعمل القطاع الخاص في إطار من التخطيط العام. يسمى التخطيط التأشيري أو التوجيهي. هنا تنطبق الخطوات سالفة الذكر كلها ودور الدولة ضمني..

القطاع المربح أكثر هو الذي سيجتذب الاستثمارات مع ملاحظة أن القطاعات المطلوب تشجيعها ستتمتع بإعفاءات ضريبية وجمركية ودعم للصادرات وغيرها من الأشكال التي تجعلها أكثر ربحاً من غيرها فيقبل عليها الاستثمار، والقطاعات المطلوب وقف التوسع بها ستتخذ بشأنها إجراءات عكسية تمثل "عوائق دخول" بوجه رأس المال الجديد فيتجه، من تلقاء نفسه، إلى القطاعات المرغوب تدعيمها..

***

ملحوظة خارج السياق:


بظهور المتنفسات الممكنة لصغار المدخرين، سواء لاستثمارها مباشرة كما هو الحال في البورصة أو بتجميعها من خلال البنوك وإقراضها للشركات الراغبة في التوسع أو للشركات الجديدة.. بظهورها وتنامي أهميتها في الاقتصاد يبطل المبرر "الاقتصادي" لضرورة إبقاء الطبقة العاملة عند حد الكفاف. لهذا السبب لم يعد أحد، على حد علمي، ينادي به علناً. ينتقلون بمصانعهم ويسرقون العمال في دول الشرق الاستبدادية في صمت !

يتبع،،
رد باقتباس
  #8  
قديم 09-11-2011, 01:34 PM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(8)

البنك التجاري وسيط مالي. مؤسسة تهدف إلى الربح كأي مؤسسة أخرى. لها رأس مال هو استثمار لأصحابه يضعونه في هذا النشاط - الوساطة المالية - بغية تحقيق عائد مرتفع..

***

نشاط البنك :

[1]

يتلقى ودائع الناس ويلتزم أمامهم بسدادها عند الطلب، المقيد بشروط تختلف باختلاف الأوعية الادخارية، مع منحهم عائداً على أصل المبلغ المودع يتناسب مع حجمه ومع مدة الإيداع..

[ كلما زادت مدة الوديعة زاد العائد، والحسابات الجارية التي يستطيع المودع السحب عليها دون قيود لا تمنح عائداً - أو عائد صغير جداً بدأت البنوك تمنحه لضرورات المنافسة - وبالنسبة للودائع المتساوية في المدة: كلما زاد مبلغ الوديعة زاد معدل العائد المستحق ]

المبلغ المودع لدى البنك هو "التزام" عليه تجاه المودعين، والعائد الذي يدفعه لهم يعد "تكلفة"..

[2]

تلك الأموال التي "اقترضها" من المودعين سيعيد إقراضها إلى آخرين يحتاجون إليها، فتصبح بالنسبة له "أصولاً" تقابل الالتزامات، ويدفع من اقترض عائداً هو من وجهة نظر البنك "إيراد" يقابل التكلفة..

الفرق بين العائد على الإقراض وتكلفة الودائع هو مجمل ربح البنك، يضاف إليه الإيرادات الأخرى ويطرح منه المصروفات الأخرى، كالمرتبات والمصروفات الإدارية والتسويقية، لنصل إلى صافي أرباح البنك القابلة للتوزيع، وتلك الأخيرة يتم التصرف فيها بقرار من المساهمين على النحو الذي شرحناه من قبل، لا فرق بين البنك وأي منشأة أخرى..

***

التحديات الرئيسية التي تواجه إدارة البنك التجاري وسبل التعامل معها:

1- التأكد من توفير الأموال لأصحابها عند الاستحقاق.
2- العمل على استرداد ما تم إقراضه والتحسب للمشكلات.
3- قرارات التسعير.
4- توزيع المخاطر.

لنتناولها بنفس الترتيب..

[1]

المودع يضع ثروته التي جمعها بجهد لفترة زمنية سابقة من حياته ويرتكن إليها ليشعر بالأمان، ولهذا السبب لا يستطيع المغامرة بها سعياً وراء الربح الكبير في مجال استثمار خطر، ويفضل عليه العائد الأقل الذي يمنحه البنك طالما اطمئن إلى بقاء أصل المبلغ دون نقصان..

مشكلة هذا النوع من المودعين، المشكل لأغلبية إن لم يكن كل مصادر الأموال الخارجية للبنك، أنه شديد الحساسية لأي شائعة أو انطباع سلبي عن قدرة البنك على الوفاء بالتزاماته تجاه مودعيه. لو أتى مودع واحد لسحب أمواله ففوجئ بأن البنك لا يستطيع الوفاء لمشكلات في السيولة وطلب منه مهلة فسينتقل الخبر وينتشر كالنار في الهشيم ويجد البنك نفسه أمام طوابير طويلة من المودعين الغاضبين تطالب بأموالها، ونظراً لأن تلك الأموال قد منحت بالفعل كقروض لآخرين وفق شروط تعاقدية لا تمكن البنك من استرجاعها وقتما شاء فسيفشل في أداء الالتزام حتماً وسيفلس وستنهار أعماله..

الحل أمام مشكلة التوقيت هذه يتلخص في نقطتين:

1- احتساب نسبة احتياطي نقدي لا يقوم بإقراضها. يخصص مبلغ من كل وديعة للوفاء بالمسحوبات اليومية.
2- تطابق الآجال بين الودائع والقروض؛ ألا يتورط في إقراض ودائع قصيرة الأجل لفترات زمنية أطول.

[2]

الأهم من توقيت السداد هو حدوثه. قد تتعثر الأنشطة التي تم الإقراض من أجل تسييرها فيعجز المقترض عن أداء الدين وعوائده المستحقة في الموعد المحدد. البنك لا يزال ملتزماً أمام المودع، والمطلوب منه الآن أن يسدد له المبلغ من موارده الذاتية وتلك "خسارة" تقلل من أرباح البنك ومن ثم حقوق المساهمين..

لابد من التحسب لمخاطر عدم السداد لأنها كفيلة بانهيار البنك لو تحولت إلى ظاهرة. مثال: 80% من منح الائتمان الذي تم نتج عنه تعثر في السداد. هذا يعني أن البنك مطالب بسداد الودائع المقابلة لتلك القروض من موارده الذاتية، فإذا كانت غير كافية، وستكون كذلك مع تلك النسبة الضخمة، فالنتيجة الحتمية هي عجز البنك عن السداد وإفلاسه وتصفيته، وتقسيم الناتج بين الدائنين، المودعين، بنظام "قسمة الغرماء" فيحصلون على نسبة من ودائعهم ويضيع عليهم الباقي..

المطلوب من إدارة البنك هنا العمل على تفادي هذا الخطر وذلك من خلال إنجاز المهام الآتية:

1- دراسة ملف المقترض بشكل جيد - سواء كان شركة أو شخص أو بنك آخر - للوقوف على قدرته على السداد في المواعيد المحددة. عملياً يتم إعداد نماذج لتقييم الجدارة الائتمانية تضع أوزاناً نسبية للعوامل الكمية والكيفية وتمنح في النهاية تقييماً إجمالياً لدرجة المخاطر. تقسم الدرجات إلى قسمين: درجات مخاطر مرتفعة تتجاوز الحد الآمن يمتنع البنك عن إقراضها - بغض النظر عن العائد المرتفع المحتمل - وأخرى أقل خطورة يمكن إقراضها مع ضرورة تناسب العائد مع درجة المخاطرة، يتزايد بازديادها.

2- توفير الحد المناسب من "الموارد الذاتية" التي سيلجأ إليها البنك في السداد للمودعين في حالة تعثر المقترضين، والمقصود هو "حقوق المساهمين". لابد للبنك من حد أدنى لرأس المال يكفي لمواجهة المخاطر، ولاحتسابه لابد من تقييم أصول البنك - القروض التي منحها لغيره - وتحديد نسبة المخاطر الكامنة في كل منها وتوفير رأس مال مقابل لتلك النسبة. مثال: القروض طويلة الأجل الممنوحة من بنك ما نسبة مخاطر عدم السداد الكامنة فيها تبلغ 14%. لابد أن يقابلها رأس مال قدره 14% من قيمتها.

3- اقتطاع جزء من الأرباح السنوية لمواجهة الاحتمال السيئ: القروض المنوحة ذات مخاطر مقبولة في المجمل ولكنها متفاوتة فيما بينها في الدرجة. من الأساليب الوقائية المناسبة تحديد نسبة من القرض الممنوح تتناسب طردياً مع درجة المخاطر واقتطاعها من الأرباح السنوية واحتجازها على هيئة "مخصص" لمواجهة التعثر. هذا الاقتطاع يعامل كمصروف لابد أن يستوعبه مجمل الربح الذي تحدثنا عنه سابقاً والذي يمثل الفرق بين العوائد المقبوضة من المقترضين والمدفوعة للمودعين.

[3]

مصلحة البنك في تقليل ما يدفعه للمودعين وزيادة ما يجنيه من المقترضين. ما يدفعه محدد بالمنافسة مع البنوك الأخرى: يحدد ميزته التنافسية والشرائح المستهدفة بالنسبة له لتسويق أوعيته الادخارية وما تمنحه من مزايا..

على جانب الإقراض لابد أن يحدد تكلفة مصادر الأموال - الإيداعات واستثمار المساهمين - لتشكل حداً أدنى للعائد المقبول على الإقراض. يلتزم العاملون في إدارة الائتمان، التي تعمل على دراسة ملفات المقترضين وتحديد جدارتهم الائتمانية وتعد لذلك أهم وحدات البنك - والتي أعمل بها بالمناسبة في البنك الذي يشتري قوة عملي حالياً ! - أقول أن هؤلاء يلتزمون بهذا الحد الأدنى ويحددون عائداً يزيد عنه ويتناسب مع درجة المخاطرة الكامنة في عملية المنح..

ولكن كما أن تخفيض العائد المدفوع على الودائع لا يجب أن يصل إلى حد يدفع المودع إلى التوجه إلى بنك منافس، فإن القاعدة نفسها تنطبق على الإقراض ولكن في الاتجاه المقابل..

هناك عنصر إضافي فوق المنافسة على جانب الإقراض: الفوائد البنكية أرخص بالنسبة للمنشأة المقترضة من تكلفة وسائل التمويل الأخرى لأنها تخصم من الوعاء الضريبي بعكس تكلفة أشكال بديلة كزيادة رأس المال، ولذا فإن سعر العائد لو تخطى الهامش التفاوضي المقبول من الشركة سيصبح قبولها له غير رشيد لأنه يفقدها ميزة تخفيض التكاليف..

[4]

ما أقرضه البنك قد يأتي وقد لا يأتي، هذا الخطر الذي يتعرض له البنك مشتق من، ومترتب على، المخاطر التي تتعرض لها الشركات المقترضة. يمكن تقسيم تلك المخاطر إلى نوعين:

1- خطر نظامي عام Systematic Risk وهو يؤثر على كافة الأنشطة في وقت واحد. مثال: كارثة طبيعية عطلت الإنتاج في كافة القطاعات لمدة ستة أشهر. هذا النوع من المخاطر لا يمكن للبنك تفاديه أو اتخاذ إجراءات احترازية بشأنه. يمكن فقط تكوين احتياطيات في أوقات الرخاء تحسباً لفترات كتلك. ساعتها كل المقترضين سيواجهون تعثراً في السداد وسيقوم البنك باتخاذ سياسة إدارة أزمات لجدولة ديونهم والوقوف بجانبهم، مضطراً، ويسدد للمودعين التزاماتهم من الاحتياطيات التي أشرنا إليها وسيلقى المساندة ساعتها من البنك المركزي. تلك أزمة اقتصادية عامة.

2- خطر خاص محدد لنشاط بعينه Unsystematic Risk وهو يعني أن يحدث ظرف ما يضر نشاطاً اقتصادياً بعينه. مثال: حدوث حادث إرهابي كبير يوقف السياحة في مصر. كل الشركات العاملة في السياحة ستتأثر بدون شك، ولكن مصنعاً لإنتاج السيراميك لن يتأثر أبداً اللهم إلا بانخفاض الطلب بمقدار انسحاب العاملين بشركات السياحة من الشباب المقبل على الزواج !

---

هذا النوع الثاني يواجه بتوزيع المخاطر على عدد من الأنشطة بمنع تركز منح الائتمان بالبنك لنشاطات بعينها أو لنشاطات تتحرك سوية ارتفاعاً وانخفاضاً، كما اتجهت البنوك في العقود الأخيرة إلى إقراض الأشخاص بضمان مصادر دخلهم بجانب إقراض الشركات على أساس أن صغر حجم المبلغ الممنوح يقلل المخاطر..

مثال: شركة اقترضت 100 مليون جنيه ثم تعثرت. هذا معناه ضياع المبلغ بالكامل، في المقابل لو أقرضنا المبلغ نفسه لألفي شخص بمعدل 50 ألف جنيه فقط لكل مقترض، مع مراعاة التنوع فيما بينهم لجهة مستويات الدخل والمجالات التي يعملون بها، وبلغت نسبة التعثر 20% فهذا يعني أن 80 مليون جنيه قد أنقذت..

هناك أيضاً ميزة أخرى في منح "القروض الاستهلاكية" هي حرية الحركة في التسعير وتحقيق إيرادات عالية لأن الشخص الذي أمامك غير متخصص ومهتم بشراء سلعة لا يستطيع دخله الحالي توفيرها له ولا يستطيع الصبر. من السهل جداً أن تكسب من زوجة استخرج لها زوجها بطاقة ائتمانية وتود أن تشتري أشياء تغيظ بها جارتها، بينما من العسير أن تتفاوض مع مدير مالي متخصص في التعامل مع البنوك يقبض حوافزه من شركته حين يخفض التكلفة، أي إيراداتك، ويحاسبك حساب الملكين عن قروش إضافية حمل بها حسابه بطريق الخطأ !

***

على أي حال، أعتقد أن ما وصلنا إليه يكفي لنفهم طبيعة عمل البنك التجاري وكيف يفكر أصحابه والقائمين على إدارته من وجهة نظرهم وتحقيقاً لمصالحهم. في الفصل القادم أعود إلى دور الدولة فيما يخص نشاط البنك مع ربط الأمر بالزاوية الاقتصادية كمدخل مباشر للتعامل مع ظاهرة توظيف الأموال في الثمانينات..

يتبع،،
رد باقتباس
  #9  
قديم 09-23-2011, 03:06 PM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(9)

المفترض، وفق منطق السوق الحر، أن يتحمل البنك التجاري نتائج قراراته الإدارية وظروف المنافسة في السوق أياً كانت. ماذا يحدث لو اتخذ البنك قرارات إقراض معيبة فتعثر من اقترض منه وعجز عن سداد أموال المودعين في موعدها وأفلس؟

الإجابة: تمضي الأمور في إطارها الطبيعي:

1- المقترضون المتعثرون تتخذ بحقهم الإجراءات القانونية - بعد استنفاد كل احتمالات التسوية - لتحصيل المديونية ولو عبر تصفية أصولهم.

2- أصحاب رأس المال في البنك خسروا استثمارهم أو جزء منه وسيتحولون إلى نشاط آخر.

3- المودعون خسروا بعض ودائعهم لأنه استثمار غير موفق. صحيح أنه آمن نسبياً ولذا يمنح عائداً منخفضاً، ولكنه استثمار على أي حال. كان يمكن لهم لو أرادوا تفادي المخاطرة تماماً أن يقوموا بشراء أذون أو سندات خزانة ويصبح مدينهم هو الدولة. حتى هذا الخيار الأخير الذي يقال إنه بلا مخاطر قد يؤدي إلى خسارة الأموال إن أفلست الدولة، والدول تفلس أحياناً!

لا يوجد شيء مضمون في هذه الحياة والفائز اليوم يخسر غداً والدنيا دوارة!

***

ولكن.. البنوك لها طبيعة خاصة تدفع الدول الرأسمالية - المحكومة بأيدلوجية يمينية محافظة تقدس حرية السوق وتمقت التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي - إلى التدخل لتنظيم عمل البنوك لتفادي التبعات الاقتصادية التي تترتب على الخلل في أعمالها..

لا ترى الرأسمالية مشكلة في تصفية شركة ما - مدينة للبنك تعثرت في السداد - لأنها تؤمن أن غيرها سيتكون وستنتقل الأموال وفق العرض والطلب بكفاءة، ولا تعارض تسريح العاملين بالشركات المتوقفة لأن هذا أيضاً عادي في رأيها: سيوظفون في شركة أخرى أو مكان آخر وفق العرض والطلب كذلك..

المشكلة الحقيقية أن إخفاق البنوك الجماعي لو حصل سيؤدي إلى حدوث هاتين المشكلتين، تصفية الشركات وتسريح العمالة، على صعيد الاقتصاد ككل، وهو ما يعني توقف عن الإنتاج وبطالة متفشية وكساد للسلع المعروضة في الأسواق لانهيار القوة الشرائية للطلب المستهدف. كذلك ستتوقف البنوك التي لم تتعرض للانهيار بعد عن الإقراض - لأن الوضع الاقتصادي العام سيرفع درجة المخاطر في الأنشطة كلها إلى درجة غير محتملة بالنسبة للبنك كما سبق شرحه في الفصل السابق - فيؤدي ذلك إلى توقف الشركات التي لا تزال ناجحة عن الإنتاج لأنها تعتمد على التسهيلات الائتمانية في شراء الخامات - الذي لن يشتري أحد منتجها النهائي في ظل الظروف الجديدة - وسيؤدي أيضاً إلى إحجام المواطنين الذين يملكون مدخرات حتى تلك اللحظة من إيداعها البنوك وسيستمر ذلك لفترة طويلة - بسبب العامل النفسي الذي سبقت الإشارة إليه في الفصل السابق أيضاً - وهذا معناه إيقاف الاستثمارات الجديدة..

المسألة لا تتوقف على المستوى المحلي بإحدى الدول وإنما تتعدى ذلك إلى الصعيد العالمي، فإذا علمنا أن التجارة الدولية متعاظمة النمو وأن مستويات الاندماج في السوق العالمي اتسعت إلى نحو غير مسبوق، وأضفنا إلى ذلك أن البنوك التجارية، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، لها دور مركزي وهام في تسيير حركتها، لأدركنا أن حدوث هذا الخلل الجماعي للقطاع المصرفي بدولة ما سينقل الآثار المدمرة التي تحدث إلى دول أخرى وذلك بقدر تأثير التعاملات التجارية في تلك الدولة على التجارة الدولية ومن ثم الاقتصاد العالمي..

انهيار القطاع المصرفي في كينيا لا يمكن مقارنة أثره بانهياره في الولايات المتحدة مثلاً. لهذا السبب تنشأ الحاجة لوجود تنظيم له طبيعة عالمية لعمل البنوك لتفادي تلك الآثار..

***

التدخل:

يكون عبر إجبار البنوك على اتخاذ الإجراءات والاحتياطات الموضحة في الفصل السابق، وأن توضع معايير تفصيلية توضح كيفية التنفيذ، وتتم المراقبة لمتابعة تطبيقها وتتخذ بحق البنك المخالف عقوبات..

يقوم البنك المركزي بهذا الدور على المستوى الداخلي، وأهم ما يلزم به البنوك ما يلي:

1- إيداع نسبة احتياطي نقدي من الودائع لدى البنك المركزي. في مصر تبلغ 14% حالياً.
2- وضع ضوابط لمنح الائتمان وتقييم الجدارة الائتمانية.
3- تحديد نسب المخصصات الواجب اقتطاعها والمعالجة المحاسبية لها والربط بين تغير درجة المخاطر تبعاً للظروف وبين نسب المخصص.
4- الرقابة على نسب التركز سواء على مستوى العميل الواحد، بوضع حد أقصى للإقراض، أو بمراقبة التركز على مستوى القطاعات الاقتصادية.

***

على المستوى الدولي يتم الضغط بشكل غير مباشر..

الصورة الأولى هي مؤسسات التصنيف الدولية. عدم التزام البنك بالمعايير التي تمنحه تصنيفاً مرتفعاً سيحرمه من "حصة سوقية" وفرص أرباح..

للتوضيح من خلال مثال مفصل:

التجارة الدولية، كما هي على المستوى المحلي، تتم بين بائعين ومشترين. البائع يشحن بضاعته، يصدرها، براً أو بحراً أو جواً، لمشتر من بلد آخر يستقبلها ويتأكد من مطابقتها للمواصفات. يبقى هنا دفع قيمة السلعة..

تاريخ الدفع يتوقف على درجة الثقة بين البائع والمشتري وعلى الموقف التفاوضي لكل منهما. نحن هنا معنيون بمسألة الثقة..

البائع يود الاطمئنان على سداد قيمة البضاعة ولذا يفضل الحصول عليها قبل الشحن. والمشتري يود الاطمئنان على مطابقة البضاعة المرسلة للمواصفات المتفق عليها في الميعاد المتفق عليه ولذا يفضل الدفع بعد الاستلام..

المعاملات المتكررة تبني الثقة من خلال الخبرة السابقة بين الطرفين. في حالة غيابها تلعب البنوك دوراً وسيطاً هنا من خلال فتح "اعتماد مستندي"..

ورقة يتعهد فيها بنك المستورد بسداد قيمة البضاعة للمصدر فور وصولها ما أن يتأكد من مطابقتها للمواصفات. المستورد هنا اطمأن أن القيمة لن تدفع إلا لبضاعة مطابقة للشروط والمصدر اطمأن إلى أن القيمة سوف تسدد بعد إرساله للبضاعة..

هذا الاطمئنان الذي طرأ على المعاملة التجارية وجعل إتمامها ممكناً ميسوراً مصدره ثقة الطرفين - خاصة المصدر في حالتنا - في البنك مصدر الاعتماد. هذا البنك أجنبي من وجهة نظر المصدر وهو لا يعرف تعاملاته ولا يملك معه سابق خبرة. التصنيف الدولي يلعب هنا الدور الحاسم..

التصنيف المنخفض سيدفع المصدر إلى رفض الاعتماد المستندي وأن يطلب من المستورد فتح اعتماد آخر لدى بنك آخر تصنيفه أعلى. النتيجة: البنك محل الدراسة خسر عمولة فتح الاعتماد..

هذا مثال واحد، والأمثلة لا تحصى، ولكن الفكرة الأساسية هنا أن التصنيف الدولي يشكل ضغطاً غير مباشر..

***

الصورة الثانية هي المعايير الدولية التي تمثل ضغطاً غير مباشر قد يتحول إلى إلزام مباشر..

هناك مؤسسة اسمها بنك التسويات الدولية Bank for International Settlements مقرها في مدينة بازل السويسرية - ولذا تحمل مقرراتها اسم بازل - مهمتها التنسيق بين البنوك المركزية على مستوى العالم للعمل على حفظ الاستقرار المالي العالمي من خلال السياسات المالية والنقدية التي تضعها البنوك المركزية..

مثال: الحد الأدنى لكفاية رأس المال، الذي تحدثت عنه في الفصل السابق، تم تحديده، بعد دراسات مستفيضة، بنسبة 8% من الأصول المرجحة الخطرة، والتفاصيل هنا غير مهمة..

المهم أن هذا المعيار لو لم يتحقق عندك فوكالات التصنيف ستمنحك تقييماً منخفضاً، وهذا ضغط غير مباشر، كما أن البنك المركزي في بلدك سيعمل على تطبيق ما وضع كمقررات من بنك التسويات الدولية وسيلزمك به..

يتبع،،
رد باقتباس
  #10  
قديم 10-03-2011, 07:44 AM
الوصيف خالد
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية
 
تاريخ الانضمام: Oct 2006
محل السكن: مصر الثورة والأبرار
(10)

ما سبق توضيحه يعد تدخلاً من الدول الرأسمالية، ومؤسسات تنتمي للنظام الرأسمالي العالمي، في عمل البنوك التجارية التي هي مؤسسات خاصة تعمل في نظام رأسمالي..

نستطيع الآن إضافة ما يحدث في نظم التخطيط المركزي..

التخطيط المركزي هو العكس من آلية توجيه الموارد الاقتصادية من خلال العرض والطلب. يتم تحديد احتياجات المجتمع لفترة قادمة من خلال المؤسسات الشعبية المنتخبة وتوضع خطة لها مدى زمني لتلبية تلك الاحتياجات ويتم توجيه المدخرات على المستوى القومي للمشروعات العامة المنوط بها تحقيق الأهداف..

التخطيط المركزي مرافق للملكية العامة لوسائل الإنتاج..

لا يمكن تطبيق الخطة بملكية عامة لوسائل الإنتاج وحدها وإنما لابد من ملكية عامة للمؤسسات المالية أيضاً لإيجاد مصادر تمويل للخطة. المحصلة: بنوك عامة تجمع مدخرات المواطنين ويضمنها البنك المركزي لتمويل المشروعات العامة المحققة للخطة الاقتصادية..

هذا النمط المشروح للتخطيط المركزي كان مطبقاً بشكل ما في مصر في الستينات بكيفية تنتمي إلى "رأسمالية الدولة"، وهي نمط أقرب إلى الستالينية من الاشتراكية التي أعتقد في فاعليتها أكثر من غيرها، وهي الاشتراكية التحررية..

***

ملحوظة:

أنا هنا لا أعرض خيارتي الخاصة إلا في أضيق الحدود وفي فواصل خارج السياق العام لأن المطلوب هو محاولة الفهم بالأساس. عموماً أؤمن بالتخطيط المركزي والملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، دون رأسمالية الدولة وإرساء الأمور فوقياً من خلال برلمان هزلي أو سكرتارية حزب يدعي النيابة عن الطبقة العاملة كما كان مطبقاً في الاتحاد السوفيتي والتجارب التي انتسبت إلى الاشتراكية في العالم الثالث..

ما أؤمن بصحته يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج مع وضع كل السلطة للعمال. الديمقراطية المباشرة بدلاً من التمثيلية، مع إطلاق الحريات العامة..

***

يمكن لنا الآن أن ندخل مباشرة إلى ما كان قائماً في مصر في الثمانينات وظهور شركات توظيف الأموال..

يتبع،،
رد باقتباس
رد

أدوات الموضوع

 

مواضيع مشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى ردود آخر مشاركة
ثورة الغضب في مصر - رواية ذاتية وتحليل الوصيف خالد سياسة 276 07-26-2013 06:59 PM
قوائم العار في مصر عودة / ليا سياسة 17 02-25-2011 08:03 PM
مافيش مشاكل .. ( عشرة أيام في مصر ) أحمد رضي مقهى نغم 14 05-03-2009 02:59 PM
مسابقة توظيف Jalal مقهى نغم 3 10-02-2007 02:21 PM


جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جرينتش +4. الوقت الآن 01:18 PM.



Powered by vBulletin (Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.)
SEO powered by Syrian Medical Society
جميع الرّؤى والأفكار المنشورة في نغم تُعبّر عن رُؤى كتّابها فحسب، ولا تعبّر بالضّرورة عن وجهة نظر منتدى نغم وإدارته.
علماً أنّ نغم وإدارته يؤمنان بحريّة الإعتقاد والتّعبير، ويعملان ما بوسعهما من أجل تكريسهما.
منتدى نغم محجوب في: السعودية
مواقع صديقة:
خالد ترمانيني - Muslim folks